المشاركات

آلام وشرود

كنت أقف مستندًا إلى سور مدرسة الزراعة فى انتظار السيارة التي ستقلنى إلى بلدتي. في الناحية المقابلة أمام المقهى حلقات صغيرة لفتيات ينتظرن. تمنيت لو تبقى معي جنيهًا اضافيًا كي اجلس على المقهى وأطلب شايا. لكن طريقي من الكلية إلى وسط البلد، تعيدني يا مولاي كما خلقتني، أقصد من دون نقود طبعا. ما حدث أنني وفى طريقي نحو الميدان انعطفت ناحية أكشاك بيع الكتب المستعملة. وبينما أنكش في تراب الأرصفة، وجدت كتابًا كنت ابحث عنه من مُدّة فدفعت فيه ما تبقى معيّ واستسمحت البائع فى خصم جنيهان فقط والتى كانت كافية للمواصلات. ولا أعرف لما لم اذهب إلى محطة القطار -كنت سأوفر جنيهًا على الأقل أو أكثر إذا ادّعيت أنني من بنها أو تهربت من الكُمْساري- لكنني فضلت السير حتى وصلت إلى هنا.  في ظل غرقي في خيالاتي وحساباتي المالية الباهتة، تقدّمت نحوي فتاة، كانت تقف على الجانب الآخر. ولا أعرف لما راودتني تلك الخاطرة -العجيبة- بأنها تقصدني -أنا- تحديدا، إلى أن وقفت أمامي. قالت: أهلا. قلت بتردد: أهلا.. وسهلا. اشارت باصبعها الرهيف نحوي: أنت معنا فى صيدلة، صح؟ هززت رأسي.. رحت بخيالي في ذلك الوجه، الشاحب، ويبدو أنني شعرت...

كائن لا تحتمل خفته. رؤية جديدة

  (كائنًا لا تُحْتَمَل خِفّتُه: يبحث عن المعنى) (1) فى البَدْء كانت الكلمة من فكرةٍ ما، تنبثق الحياة، والأشخاص، أيضًا، تولد حكاية كاملة، بالفعل إنها تكون. ففي البدء دائما فكرة. تدور في رأس كاتبها، تنقر، مثل الفرخ كِلْسَ بيضتِهِ، ثم تولد، تخرج للوجود بفعل الكتابة، أحداثاً، وأشخاصاً، سريعاً ما يكبرون. وبالتفكير الجيد، نعود إلى الوراء، ودائماً إلى البدايات. لأن كل فن منشأهُ الخلق، والرواية فن، إنهم يوجدون إذن هكذا، كباراً، بفعل الخلق. الكاتب "يعزف، على إيقاع الكمان، لحناً، ناعماً، هادئاً، حزين" (1) فكرة، وسؤال: أليس من ذلك بد؟ الكمان يَشْرَقُ، يَشْهقُ ثم يَجهَشُ بالبكاء كلما مس الوتر عصا القدر. ويجيب: "ليس من ذلك بد. ليس من ذلك بد." نعود لفكرة الخلق. ما هى الحياة؟ هل تبدأ عندما يولد الأشخاص، أم تنتهى بالولادة؟ يقول ساراماجو: الحياة تبدأ بعد ذلك، وكثيراً ما تبدأ متأخرة جداً، دون حساب تلك التي ما تكاد تبدأ حتى تنتهي. لهذا السبب صرخ الآخر، "آهٍ، من يكتب إذن حكاية ما كان يجب أن يكون!" (2) حسنٌ جداً، المرء عندما يبدأ في التفكير، يحاول ا...